الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

16

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتدّ به ، وذلك كقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورة : 11 ] - لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] - يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [ البقرة : 185 ] - وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] - وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [ النازعات : 40 ] . وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع . والمتشابهات مقابل المحكمات ، فهي التي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلّ منها هو المراد . ومعنى تشابهها : أنّها تشابهت في صحة القصد إليها ، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض . أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مرادا ، فلا يتبيّن الغرض منها ، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى . وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال : مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء ، فعن ابن عباس : أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد اللّه تعالى ، وتحريم الفواحش ، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام [ 151 ] : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ والآيات من سورة الإسراء [ 23 ] : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور . وعن ابن مسعود ، وابن عباس أيضا : أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية الآية . وعن الأصم : المحكم ما اتّضح دليله ، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر ، وذلك كقوله تعالى : وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ [ الزخرف : 11 ] فأولها محكم وآخرها متشابه . وللجمهور مذهبان : أولهما أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته ، والمتشابه ما استأثر اللّه بعلمه ، ونسب هذا القول لمالك ، في رواية أشهب ، من جامع العتبيّة ، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات . وثانيهما أنّ المحكم الواضح الدلالة ، والمتشابه الخفيها ، وإليه مال الفخر : فالنص والظاهر هنا المحكم ، لاتّضاح دلالتهما ، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال